الرحالة و المسافرون العرب

رحلتي الى بورما : كيف يؤدي المسلمون عبادتهم وسر لون الدم على الأرض

رحلتي الى بورما | الرحالة | رحلة: أحمد بلال | “عفوًا لا يمكننا إصدار التأشيرة لكونك صحفي، يجب مراجعة سفارة ميانمار في بلدك والتقدم بطلب للحصول على تأشيرة صحفية”، رسالة قصيرة من الموقع الالكتروني لوزارة الخارجية البورمية، وصلتني على بريدي الإلكتروني، ردًا على طلب الحصول على فيزا سياحية لبورما، دفعت ثمنه مقدمًا خمسون دولارًا أمريكيًا.

رسالة من شأنها ليس فقط إرباك برنامج جولتي الآسيوية، وإنما إفقادي متعة رحلتي كلها، لم يكن الأمر بالنسبة لي خمسون دولارًا فقدتها أو وجهة سياحية حالت الظروف بيني وبينها كمسافر، وإنما منطقة تحمل الكثير من علامات الاستفهام، ومصدر للكثير من القصص المثيرة والمرعبة، ما يجعلها بالنسبة لي كصحفي قبل أن أكون رحالة، الوجهة التي تستحق السفر والمغامرة أكثر من غيرها.

كنت في العاصمة الماليزية كوالالمبور، حين استلمت الرسالة، حيث أقمت عند صديقي المهندس المصري سليمان الصابر، قال لي ساخرًا وهو يعد فنجان القهوة: “ما انت بتستعبط، اسمك أحمد ومصري وصحفي وعايزهم يدوك تأشيرة لبورما”!.

كالغريق الذي يتعلق بأي قشة، أرسلت ردًا على رسالة الخارجية البورمية: “صحيح أنا صحفي، لكنني في جولة سياحية في آسيا، وأتمنى زيارة بورما”، لم يتجاوز عقرب دقائق الساعة الثلاثون دقيقة، حتى وصلتني على الإيميل رسالة أخرى، مرفق بها التأشيرة، لأبدأ معها رحلتي الى بورما

 

رحلتي الى بورما

 

والحق أقول لكم، رغم اطلاعي على ما يحدث هناك من خلال العديد من المصادر، إلا أن رفض التأشيرة كان مصدر قلق بالنسبة لي، فمن يضمن أن يسمح ضابط الجوازات لي بالمرور، حتى إذا كانت معي التأشيرة الإلكترونية؟!.. على كل حال، حزمت حقيبتي، وتوجهت إلى المطار في الموعد المحدد، ولا يغيب عن بالي طوال الرحلة الجوية التي استمرت 3 ساعات إلا قليلا شبح الترحيل من المطار.

كانت الساعة الثامنة صباحًا عندما هبطت الطائرة على مدرج مطار يانجون، الحركة في المطار لم تكن كثيفة في ذلك التوقيت، الأجواء هادئة تمامًا، أخذت دوري أمام ضابطة ختم الجوازات، وما هي إلا دقائق حتى جاءت اللحظة الحاسمة.

أعطيتها جوازي وصورة التأشيرة الإلكترونية، منتظرًا تحقيقًا في أسباب حضوري وما الذي أنوي فعله في بورما. بحركات روتينية، نظرت في الجواز والتأشيرة ثم التقطت الختم وزينت جواز سفري بختم دخولي إلى الأراضي البورمية ومنحته لي مبتسمة.. هكذا وبكل بساطة بددت حالة من القلق والتوتر استمرت ليومين تقريبًا.

 

السياحة في يانجون

 

أنا الآن في بورما، البلد التي طالما ارتبط اسمها بالتريند على وسائل التواصل الاجتماعي في بلادي، مقرونًا بصور يقال إنها لمجازر يرتكبها البوذيون في حق المسلمين، فقط لأنهم مسلمون. لم أكن متعب من الرحلة، أو من ليلة كاملة قضيتها نائمًا على أرضية مطار كوالالمبور، منتظرًا طائرتي، بقدر ما أنا مشتاق لرؤية هذه البلاد ومعرفة الحقيقة كما تراها عيني وتسمعها أذني.

أمسك قدح من القهوة وأجلس على رصيف المطار واضعًا على الأرض خريطة للمدينة، التي لم أجد أي معلومات كافية عنها على شبكة الإنترنت قبل رحلتي الى بورما ، أحاول تحديد أهم المعالم السياحية في المدينة التي يتعين علي زيارتها، حتى الموعد المقرر لتحرك أتوبيس المطار إلى وسط المدينة.. يبدو أنه حان.

حملت حقيبتي وتوجهت للأتوبيس المكيف. دفعت 500 كيات (5 جنيه مصري)، قبل أن يتحرك الأتوبيس. أكتشف الشعب البورمي في وجوه الركاب والمشاة في الشوارع إلى جانب أعمدة المعابد الذهبية قبل أن أصل لأقرب محطة للهوستيل، الذي واصلت الطريق إليه مشيًا مسافة كيلومترين وواصلت أيضًا اكتشاف الوجوه التي كنت أعتقد أنني سألقاها عابسة، وإذا بها مبتسمة طوال الوقت.

شوارع يانجون ما تخيلتها للحظة بهذا الجمال، توقعتها شوارع ضيقة غير ممهدة ولا نظيفة، فإذ بها شوارع واسعة، يزينها اللون الأخضر للأشجار على جانبيها، وبيوت ذات طراز معماري مذهل. مبان قديمة تشبه منطقة وسط البلد في القاهرة لكنها تمتاز بألوانها الزاهية. الجميع يلتزم بإشارات المرور، والمشاة يلتزمون بالمشي على الأرصفة، والابتسامة لا تغيب إذا ما التقت عيناك بعيني أحدهم.

رحلتي الى بورما
رحلتي الى بورما

المسلمون في بورما

 

وصلت الهوستيل، في العاشرة تقريبًا، أربع ساعات كاملة تفصل بيني وبين موعد التسجيل، جلست لأقتنص قليلًا من الراحة، أمسكت هاتفي وبحثت في جوجل بالإنجليزية “مساجد قريبة مني”، في محاولة للوصول إلى المجتمع الإسلامي في يانجون، ومعرفة ظروفه المعيشية وحقيقة ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي. أدهشني جوجل عندما أظهر لي على خريطة المنطقة التي أقيم فيها في قلب يانجون 15 مسجدًا.

كنت محظوظًا، كان اليوم يوم جمعة، ولم يتبقى على وقت الصلاة سوى أقل من ساعتين. تركت حقيبتي في الهوستيل، وتوجهت للمسجد الأقرب في ميدان سولي بعد جولة في شوارع يانجون. الجامع السني البنغالي، هكذا كان اسمه، يتميز بطرازه المعماري الرائع ومئذنتيه، وطوابقه الأربعة.

فور دخولي رفعت كاميرتي لالتقاط الصور، يبدو أن رغبتي في التقاط الكثير من الصور، كانت واضحة تمامًا على حركتي السريعة داخل المسجد وبين المصلين، انتبهت للأمر عندما وجدت أحد عمال المسجد ينظر لي مبتسمًا، وكذلك عدد من المصلين.. خشيت أن يطلب مني أحدهم التوقف عن التقاط الصور، إلا أن أحدًا لم يفعل.

صلاة الجمعة في أحد مساجد بورما
صلاة الجمعة في أحد مساجد بورما

صلاة الجمعة في مساجد بورما

 

المسجد كان ممتلئ عن آخره بالمصلين، اصطفوا إلى جوار بعضهم بعد أن صلى كل منهم ركعتين تحية للمسجد، لتبدأ خطبة الجمعة التي لم تستمر أكثر من 7 دقائق، لم تكن غريبة إطلاقًا على أذني، فنسبة كبيرة منها كان آيات قرآنية وأحاديث نبوية باللغة العربية، ما ساعدني على فهم جزء كبير منها، انتهت الخطبة، وأقام الإمام الصلاة، حتى إذا انتهت خرجنا من المسجد أفواجًا كما دخلناه، ليكون أول ما تقع عليه عيني معبد سولي باجودا البوذي، وأول ما تلتقطه أذني، جرس الكنيسة الكاثوليكية في الميدان.

تجربة صلاة الجمعة في بورما، بعد ساعات قليلة من وصولي إليها، كانت لها دلالتها بشكل كبير، وفي الحقيقة تجربة ما كنت أتوقع خوضها، ولا كنت أتوقع وجود المساجد والصلاة فيها بهذا الشكل الآمن، كانت صدمة معرفية تلتها صدمات.. على مدار اليوم بدأت تظهر لي مظاهر أخرى تنبئ بعكس كل ما يثار على وسائل التواصل. حجاب ونقاب ولحية في كل مكان، والحق أقول لكم، إن نسبة الملتحين الذين رأيتهم في يانجون أكثر بكثير من مثيلتها في القاهرة أو غيرها من العواصم العربية.

كنت في طريقي إلى محطة قطار يانجون التاريخية في ذلك اليوم، عندما رأيت تجمعًا لأشخاص يبدو عليهم الفقر إلى جانب سيارة إسعاف، اقتربت فوجدتهم أمام مبنى مكون من 6 طوابق، هو مستشفى ومركز للعلاج والرعاية لفقراء المسلمين.. واصلت طريقي غارقًا في دهشتي.

المسلمون في بورما
المسلمون في بورما

بورما الحقيقية

 

أثناء إعدادي لجولة آسيا وتحديدًا رحلتي الى بورما قرأت عنها الكثير.. الكثير والكثير مما اكتشفت فور وصولي إليها أنه غير حقيقي، قبل وصولي ميانمار قرأت أن بها مشاكل كبيرة في التعاملات المالية حيث لا يوجد فيزا ولا ماستر كارد، وعندما وصلت وجدت التعامل بالبطاقات البنكية في كل مكان حتى المطاعم والمحلات، إلى جانب انتشار أجهزة الـ ATM في كل الأماكن.

قرأت أيضًا أن هناك مشكلة في الاتصالات التليفونية وفي الاتصال بالانترنت، وفور وصولي اشتريت خط تليفون من المطار بدولارين فقط، باقة الإنترنت فيه 4G ومساحتها 2 جيجا، ولم أواجه أي مشكلة لا في الاتصال التليفوني ولا الاتصال بالانترنت، الذي يتميز بسرعة عالية، والواي فاي موجود في كل الأماكن، ومتاح للجميع.. رأيت بورما الحقيقية في شوارع يانجون، تختلف تمامًا عن بورما التي كنت أراها قبل سفري على صفحات فيس بوك بينما أجلس في شوارع القاهرة.

ميانمار.. آسيا العذراء

 

قبل سنوات ليست بالبعيدة فتحت بورما أبوابها للسياح، وقد يكون هذا السبب في كونها مازالت محافظة على تقاليدها وعاداتها بدرجة كبيرة، هي آسيا العذراء إن شئت أن تسميها. تستطيع أن ترى في شوارعها بكل سهولة صورة لما كانت عليه كثير من المدن الآسيوية قبل انفتاحها بشكل كبير على الثقافة الغربية، رغم وجود الماركات العالمية والأتوبيسات المكيفة والتكنولوجيا المتطورة في كل مكان.

الشعب البورمي طيب ومسالم لأقصى درجة، يلف رجاله اللاجوني أو الفوطه التي تشبه تمامًا زي أهل اليمن على نصفهم السفلي، وبعض النساء ترتديها كذلك، وتضع الغالبية العظمى من نسائه مسحوق أصفر يشبه الطمي مصنوع من أغصان نوع معين من الأشجار، لتنقية البشرة، ويدخنون السيجار الأخضر.

التدخين في بورما ممنوع في كل مكان تقريبًا، رغم ذلك تجد محلات التدخين منتشرة بشكل كبير، إلى جانب طاولات في كل مكان في الشارع عليها السيجار الأخضر وعلب السجائر، التي يبيعون منها بالسيجارة وليس العلبة، إلى جانب أوراق شجر خضراء تشبه القات اليمني، يضعون فيها بعض المواد، ليمضغها مدمنوها، لتصبغ فمهم باللون الأحمر.. لذا إذا وجدت بورمي على لسانه أو فمه لون أحمر فاطمئن، هو ليس من آكلي لحوم البشر، فقط الرجل يمضغ القات البورمي، ويصبغ فمه والأرض باللون الأحمر، الذي يبصقه عليها كثيرًا.

الشعب البورمي
الشعب البورمي

مثقفون ورهبان

 

اعتدت على رؤية الرهبان البوذيين في كل مكان في آسيا سافرت إليه، لكن في رحلتي الى بورما كانت المرة الأولى التي أرى فيها رهبانًا من النساء، حليقات الرؤوس، وزيهم وردي وليس الأصفر الغامق الذي يميز الرهبان الذكور. كانت المرة الأولى كذلك التي أرى فيها رهبان من الأطفال، هم كذلك حليقي الرؤوس، وزيهم وردي، وينتشرون في كل مكان لجمع التبرعات.

يسير الرهبان في بورما حاملين إناء فضي اللون لجمع التبرعات، في كل مكان، كنت في الحي الصيني في يانجون، عندما وجدت راهبة مع حوالي 30 طفلًا من هؤلاء الذين يرتدون زي الرهبان، ويسيرون في طابور طويل، ينادون الناس للتبرع.. المشهد أصبح معتادًا بالنسبة لي كونه يتكرر في كل مكان أزوره.

البوذية في بورما
البوذية في بورما

انتشار الرهبان في تقديري لا ينفي انتشار الثقافة، فما من شارع في يانجون إلا وجدت فيه مكتبات تبيع الكتب والصحف والمجلات، إحداها زينت واجهتها بإعلان عن مجلد “عالم المعرفة” تتصدر غلافه صورة الملك الذهبي توت عنخ آمون.

في شارع رقم 31 يفترش باعة الكتب رصيفيه المتقابلين، المكان يعيدني إلى سور الأزبكية في القاهرة. انتشار المكتبات وباعة الكتب على الرصيف بهذا الشكل مؤشر هام إلى رواج بيع الكتب في بورما، ما يشير أيضًا إلى أن الشعب البورمي شعب مثقف ومحب للقراءة، وإلا ما انتشرت المكتبات بهذا الشكل.

أصدقاء السناجب والحمام

 

أجمل ما لفت نظري خلال رحلتي الى بورما كانت انتشار السناجب على أشجار يانجون، تعيش حياتها حرة دون أدنى إزعاج من أحد، بل بالعكس، يعلقون للسناجب الطعام على الأشجار كي تأكل متى شاءت. هي كائن مشاكس وجميل، ستبتعد عنك وتقفز هنا وهناك، ستسمح لك بالتقاط الصور لها وعيناها معلقة عليك، لكنها أبدًا لن تسمح لك بالاقتراب منها.. ستهرب إلى أعالي الأشجار وهو ما لن تستطع إليه سبيلا.

الحمام في شوارع يانجون
الحمام في شوارع يانجون

وكما يعلق شعب ميانمار الطعام للسناجب على جذوع الأشجار، يعلقون أيضًا عيدان القمح على جدران المنازل للحمام والعصافير، كي يأكلون منها طوال الوقت متى شاؤوا، ما يفسر لك انتشار الحمام بأعداد كثيفة في شوارع بورما، خاصة أن الشعب البورمي مثله مثل شعوب جنوب شرق آسيا، لا يأكل الحمام.

رحلتي الى بورما كانت ضمن رحلة طويلة شملت العديد من الدول الآسيوية، لكنها كانت الرحلة الأكثر إثارة، رحلة هي الأولى لكنها أبدًا لن تكون الأخيرة.

تعليق 1
  1. ام عالية يقول

    أتمنى أن تكون كما وصفت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.