الرحالة و المسافرون العرب

البوذية في تايلاند : رحلة بلا حذاء في مدينة الألف معبد

البوذية في تايلاند | كلما فكرت في زيارة بانكوك تحسست حذائي، فللحذاء وبانكوك قصة أو قصص تُروى. كلاهما ضدان لا يجتمعان، هي عاصمة المعابد البوذية بامتياز، وهو محظور في هذه المعابد. ليس فقط في أماكن الصلوات، وإنما في كل ما يتجاوز سور المعبد الخارجي. صحيح أنني جئت من بلاد المآذن، والقاهرة مدينة الألف مئذنة، وصحيح أنه دخول المساجد بالأحذية من المحظورات، إلا أن الأمر في الحقيقة لا يتعلق فقط بدور العبادة في تايلاند.

خلع الحذاء عادة آسيوية بوذية بامتياز، فلا يصح انتعال الحذاء في أي مكان فيه تماثيل أو صور لبوذا، ما يجعل خلع الحذاء قبل دخول أي معبد أو منزل أمرًا ضروريًا وثقافة بوذية بامتياز. ثقافة جعلت من خلع الحذاء في الهوستيل الذي أقيم فيه الآن في بانكوك (وغيره) وحتى في بعض المحلات أمرًا حتميًا، رغم عدم وجود تماثيل أو صور لبوذا. الآن أخلع حذائي على باب الهوستيل، وأمارس حياتي فيه دون أي نعل في قدمي، حتى دخول الحمام، يجب أن أكون حافيًا.

البوذية في تايلاند

الأمر في تايلاند لا يحتمل الهزل، هي عاصمة البوذية بامتياز، 95% من سكانها بوذيين، بما يعد أعلى انتشار في العالم للديانة البوذية بدولة، وملكها هو “حامي البوذية”، ورهبانها الذين يلتفون في إزار برتقالي اللون، يحظون بتقدير بالغ من السلطة، ومن المواطنين الذين اعتادوا التبرع للمعابد ورهبانها ولتشييد المزيد والمزيد من المعابد.

هذا التمسك بـ البوذية في تايلاند ، كفيل بأن تكرهون حذاءكم وجميع الأحذية على وجه الأرض، خاصة إذا كان من هذا النوع الذي يتطلب خلعه وانتعاله كثير من الوقت، سيما إذا كنتم مثلي مولعون بزيارة المعابد والمواقع التراثية والدينية والثقافية وما أكثرها في بانكوك. دعني أخبرك أنك إذا اطلعت على خريطة سياحية لهذه المدينة ستندهش من اللون الذهبي الذي كاد يغطيها بالكامل. واللون الذهبي، هو لون المعابد البوذية بامتياز، ففي بانكوك ما بين كل معبد ومعبد من المعابد عشر.. تخيلتم معي كم مرة ستضطرون لخلع حذائكم ثم انتعاله؟

معبد وات آرون

تمثال ذهبي لبوذا على الخريطة يشير إلى موقع معبد قررت أن يكون نقطة البداية للتعرف على المعابد والبوذية في بانكوك. قررت الذهاب إلى معبد وات آرون. ذهبت إلى محطة القوارب في المنطقة التي أقيم بها، دفعت 20 بات ثمن التذكرة التي ستقلني إلى المعبد، ولا أعلم لماذا بعد دقائق جاءت إلي موظفة التذاكر، وأعطتني تذكرة أخرى ثمنها 15 بات، وردت إلي الخمسة بات الأخرى.

أجلس الآن على ظهر قارب يبحر في مياه نهر تشاو فرايا في العاصمة التايلاندية، تبدو لي بعيدًا أبراج معبد وات آرون. هو واحد من أهم المعابد في بانكوك أو في تايلاند كلها، ودعني أقول لكم إنكم ستخسرون الكثير إذا زرتم بانكوك دون زيارة وات آرون. على كل حال، تبدو لي الآن أبراج المعبد البيضاء المزخرفة، فيما يقترب القارب حتى أصل إلى مرساه.

أغادر القارب إلى الضفة الغربية من نهر تشاو فرايا، وأقترب أكثر. من حوله العديد من المعابد الصغيرة والمباني المذهلة التصميم، وبوابة صغيرة تفصلك عن المعبد المسمى بمعبد الفجر، والاسم لابد له من دلالة، يقولون إن أول ضوء للفجر في بانكوك وأول شعاع شمس يسقط على هذا المعبد، لكن دعني أقول لك إن الشروق إذا كان يستحق الوجود في هذا المكان في بانكوك، فانعكاس أشعة الشمس عليه وقت الغروب يستحق أكثر.

وصف معبد وات آرون

خلعت حذائي قبل أن أدفع الخمسون بات ثمن تذكرة دخول المعبد، اطلعت على تعاليم الدخول وكنت قد قرأتها في رحلاتي السابقة. قبل دخولكم من البوابة، ستجدون على يمينكم ويساركم كوخين، كل منهما معبد أو قاعة صلاة، يدخلهما البوذيون ليؤدون الصلوات ويحصلون على بركات الرهبان، الذين يجلسون أمامهما فيما يرتل الراهب ببعض التراتيل، ويمنحه البركة قبل أن يقوم مغادرًا.

اتخذ معبد وات آرون اسمه من الإله الهندي آرونا، وشُيد في القرن السابع عشر في عهد الملك راما الثالث. المعبد عبارة عن برج ضخم من الداخل على الطراز البوذي التايلاندي، تلتف من حوله السلالم حتى تصعد إلى طوابق متصاعدة, في رحلتي السابقة إلى بانكوك، لم يكن يمكنك الصعود عليها، الآن وفي خضم عمليات الترميم الجارية، يمكنك الصعود فقط إلى الدور الثاني.

البرج الرئيسي للمعبد محاط بثمانية أبراج أصغر، والصعود إلى الطوابق المحيطة بالبرج الرئيسي ليس بالأمر السهل، فالدرج عمودي وصعود صعب جدًا. أما النقوش فليست مرسومة، كلها بالبورسلين الصيني، وهي عبارة عن أوراق أشجار، وورود وأشجار. في الطابق الأول شرفة، عبارة عن مثلثات، بالكاد يمر منها فرد واحد. المنظر من هنا مذهل، حتى أنني لم أكن قادرًا حتى الآن بعد نصف ساعة أن أتجاوز بعد عشر أمتار، لكثرة التوقف للتأمل والتقاط الصور.

معبد وات آرون في بانكوك
معبد وات آرون في بانكوك

اخلع نعليك في بانكوك

دخول المعابد البوذية له تقاليده وقوانينه التي لا يجب لأحد أن يخرقها، خاصة مع التمسك الشديد بالبوذية في تايلاند. على بوابات المعابد ستجد القواعد التي يجب اتباعها، والتي يتصدرها بالطبع خلع الحذاء. الزي كذلك له قواعده، فمحظور دخول المعابد بالشورت أو الجيب أو البناطيل الضيقة أو ملابس لا تغطي الكتفين، خاصة بالنسبة للنساء.

في بعض المعابد الكبيرة، والتي يعتاد السياح زيارتها، ستجدون من يمنحكم زيًا للدخول به، إذا كان الزي غير ملائم، أما إذا كنتم مغرمون بالمعابد أكثر وترغبون في زيارة غير المشهور والسياحي منها، فنصيحتي لكم أن ترتدون الزي الملائم دائمًا، كي تستطيعون دخولها.

أمام معبد وات آرون كانت هناك تعليمات أخرى، غير متعلقة بالدخول، لكنها متعلقة باحترام بوذا، وهي موجهة في الأساس للبوذيين، حيث كتب أنه من الخطأ استخدام أشكال بوذا سواء صور أو تماثيل، في البارات أو الديكورات، أو في وشم “التاتو” على الجسد.

إذا دخلتم المعبد، فاخفضوا صوتكم في حضرة بوذا، وحافظوا على هذا الصمت المهيب في المكان. وإذا جلستم فولوا وجوهكم شطره، ولا تجعلوه من خلفكم، ولا تمدوا قدمكم في مواجهته. وإذا اقتربتم فلا يصح أن تكونوا في موضع يجعلكم أعلى من تمثال بوذا، وكذلك ممنوع تسلق التمثال. هكذا تكون الطقوس البوذية في زيارة المعابد، حتى ولو لم تكن مكتوبة.

معبد وات سوتات

على كل حال لم أكن أعرف على وجه التحديد أين تقودني قدماي في هذا التوقيت، فقط رغبة في اكتشاف هذا الجزء من بانكوك، ولمن يعلم فإن هذه الرغبة وحدها كفيلة بأن تجعلك تسير كيلومترات عدة دون شعور بتعب أو إرهاق أو حتى إزعاج هذه السيارات التي تقطع الطريق بسرعة كبيرة، قبل أن تقلل منها بسبب وجود لجنة مرورية على الطريق.

لم أعرف هذا المعبد الضخم الكائن على يساري من قبل، على الفور عبرت بوابة المعبد بعد خلع الحذاء والالتزام بالتعليمات. دخلت قاعة الصلاة وإذ بي أنتقل من عالم إلى آخر، صخب شوارع العاصمة التايلاندية وزحامها، أصبح خلفي، أما أنا فأجلس في قاعة ضخمة، وصوت التراتيل الهادئة الخاشعة ينطلق من كل ركن من أركانها، فيما يسجد المتعبدون والمصلون أمام تمثال بوذا الذهبي الضخم، ويضمون أكفهم أمام صدورهم، وقد أحنوا رؤوسهم، وهم يتمتمون بصلواتهم.

درة المعابد البوذية في تايلاند

هنا معبد وات سوتات، هو من الدرر الخفية للمعابد البوذية في تايلاند، لا يقصده الكثير من السياح، لذا تجده الحياة الدينية فيه أكثر تقليدية، الصلوات تقام، والمصلون خاشعون. يتميز المعبد بتصميمه الفريد، يستقبلك ببوابة أمامها تمثال ذهبي لبوذا، ثما ما أن تعبرها حتى تجد نفسك أمام تمثال ذهبي ضخم على قاعدة مزخرفة بالأحجار الكريمة، وأمامه تماثيل لمجموعة من الرهبان بالزي الأصفر الذهبي، والحقيقة أن هذه تقريبًا هي المرة الأولى التي أرى فيها تماثيل لرهبان أمام تمثال لبوذا.

يفصل بيني الآن، وأنا الذي جلست فور دخولي، وبين تمثال بوذا وتماثيل رهبانه، مصلين يسجدون ويتمتمون بالصلوات في صمت وخشوع على السجادة الحمراء وأصوات التراتيل البوذية، أمامهم منطقة حمراء أخرى مرتفعة ممنوع أن يخطو عليها سوى الرهبان، يليها ورود وصورة لملك تايلاند، وأخرى أصغر لأحد الرهبان، فيما يتخذ صندوق التبرعات مكانه في أحد أركان المعبد، وهو ما ستشاهدونه في كل المعابد.

حول قاعة الصلاة الكبيرة، وداخل حرم المعبد الكثير من المباني، مثل قاعة التأمل وغيرها، وحول أحد المباني بالدخل، التفت على جدران المحيط تماثيل ذهبية وسوداء لبوذا، أمامها يجلس مصلون، يرتلون صلواتهم في خشوع.

المعابد البوذية في تايلاند
المعابد البوذية في تايلاند

معبد وات بون نيويت

لا تقتصر المعابد البوذية في بعض الأحيان على أماكن الصلاة فقط، قد تجد فيها قاعات تأمل وأماكن لنوم الرهبان وحتى مدارس للأطفال. في منطقة باناكون التي أسير فيها الآن متجهًا إلى معبد وات بون نيويت، وهو من أهم المعابد الملكية في تايلاند، ولطالما خدم فيه أفراد من العائلة الملكية كرهبان، يشبه الأمر هذا كثيرًا، حيث تشعر فجأة أن البوذية ذاتها تجسدت في هذه المنطقة، الرهبان يسيرون بكثرة في الشوارع، ومحلات تبيع تماثيل بوذا وغيره من الرموز المقدسة.

يتميز معبد وات بون نيويت بلونه الأبيض وبرجه الذهبي، الذي صعدته عبر سلالم عمودية دائرية متعبة، تصحبك طابق طابق، وكل طابق يكشف لك عن معالم المعبد ثم معالم المدينة، في الطابق السابع. تدعوك لافتة لتصوير بانكوك من أعلى بزاوية 360 درجة، وتدعوك للصلاة لبوذا.

المعابد البوذية في بانكوك، مهما اختلفت أشكالها وألوانها إلا أن بها مكونات رئيسية لا يخلو معبد بوذي منها، أولها البرانج، وهو البرج الذي يتوسط المعبد، وعادة ما يكون منحوتًا أو مطليًا بالذهب، وهو الرمز الدائم للمعبد في كل مكان. أما الـ “تشيدي” فهو المكان الذي يضم آثار لبوذا أو آثار ورفات لقديسين بوذيين، فيما تعد الـ”أوبوسوت” غرفة الصلاة الرئيسية، وهي واحدة من أهم المباني في أي معبد بوذي، بينما الـ”فيهارن” هي صالة المعبد.

معبد وات ساكيت

اليوم قررت الامتثال للثقافة البوذية، تخليت عن حذائي وانتعلت نعلًا لا يحتاج خلعه سوى سحب قدماي منه. في الهوستيل الذي أقمت فيه في بانكوك، كان القائمون عليه ينظمون نشاط يومي مجاني، النشاط اليوم هو زيارة معبد الجبل الذهبي. كنت قد خططت لزيارته في رحلاتي السابقة لكن لا الحظ حالفني ولا الوقت أسعفني، اليوم يومه إذًا، استعديت بنعلي الخفيف، تاركًا إياه على باب الهوستيل، منتظر ساعة المغادرة.

100 بات هي سعر التذكرة التي كانت بوابتي للمرور إلى المعبد. كون وات ساكت، أو معبد الجبل الذهبي، على قمة جبل، فإن هذا ينعكس بالطبع على مسار دخولك ومن ثم صعودك. تسير في طريق دائري، على يمينك الجبل الملون بالأخضر لون الأشجار والذهبي لون مباني المعبد، وعلى يسارك بازارات تبيع التحف والهدايا التذكارية.

في إحدى القاعات المتداخلة مع جسم الجبل، كانت الإضاءة خافتة، فيما تُبث خطبة لأحد الرهبان، بينما كان هناك القليلون ممن يستمعون إليها. واصلت سيري، حتى بدأت الرحلة الأصعب. 318 درجة سلم يتوجب عليك صعودها قبل أن تصل إلى قمة الجبل، أو المعبد. صحيح أن الصعود صعب، خاصة مع مثل هذا الدرج ذو اللون الأحمر، إلا أن الأشجار على الجانبين، والتي تتداخل في قمتها من فوقك، والتماثيل المختلفة المصفوفة على الجانبين، والشلالات الصغيرة قد تخفف من إرهاق الصعود.

الحذاء والبوذية في تايلاند

في الأعلى وجدت أطفالًا في زي الرهبان، لكنها كانت هذه المرة باللون البني، وغرف صغيرة تصعد لكل واحدة منها بدرج، وفي كل منها تمثال لبوذا، أمامه رجل أو امرأة جلس في خشوع وكلتا كفيه أمام صدره ورأسه يتلو صلواته، ثم يسجد عدة مرات. صعدت الآن فوق القمة، وإذ بي أرى بانكوك من أعلى، أبراج وبيوت خشبية ومبان ذهبية لمعابد.

لم يكن خلع الحذاء على أبواب المعابد قضية بالنسبة لي كما قد يفهم البعض، القضية الحقيقية في أن الالتزام بالبوذية وكونها ديانة وثقافة في الحياة اليومية، ستجعلك تتخلى عن حذاءك في كل مكان وليس فقط المعابد، في الهوستيلز، يجب تركه خارجًا، عند الحلاق كذلك، وعلى ذلك تجري كل الأمور. القضية ليست في الحذاء، القضية الحقيقية في مدى تمسك الشعب التايلاندي بالبوذية كديانة وثقافة.

مصدر تقريري على موقع رصيف 22

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.