أسامة عبد الحميد يكتب عن رحلته لتونس: 4 أيام في بلاد تؤنس زائريها

رحلة- أسامة عبد الحميد

بعض البلدان تفتح شهيتي للحياة والكلام معاً، تونس كانت إحدى هذه البلاد، أحببتها وأنا أنظر إليها من نافذة الطائرة قبل أن تحط عجلاتها على أرض مطار قرطاج الدولي، حيث سأمكث بها أربعة أيام، منهم يوم لحضور مبارة كرة القدم بين فريقي النادي الأهلي المصري والترجي التونسي، بدعوة من شركة “اتصالات”.

سرت في شوارعها الفسيحة وتمشيت في شارع الحبيب بورقيبة ساعات وساعات، وزرت أهم المعالم فيه، المسرح البلدي ومقهى باريس الذي ذكرني بمقهى ريش بشارع طلعت حرب في القاهرة، من حيث موقعه ومن حيث رواده، وجدار وزارة الداخلية الذي كتب عليه في نهايته “عاشت تونس حرة مستقلة”،”لا علماني ولا اسلامي، ثورتنا ثورة زوالي”

75916_3548470325159_1188363414_n

بدأ الفتح العربي الإسلامي لتونس منذ سنة 27 هـ في عهد الخليفة عثمان بن عفان الذي أرسل الصحابي عبد الله بن أبي السرح لمواصلة فتح بلاد إفريقية على رأس جيش كبير دخولاً من طرابلس الغرب، وقد سميت هذه الحملة بغزوة العبادلة السبع لأن قادة الجيش الإسلامي السبع كانت أسماءهم جميعاً عبد الله، بعد الفتح تم تأسيس مدينة القيروان وبني فيها القائد عقبة بن نافع جامع القيروان الكبير، ثم قامت الهجرات العربية حيث بدأت القبائل والعائلات العربية في الوفود إلى أفريقية لتحدث تغييراً في التركيبة العرقية ويصبح العرب جزء هام من السكان الذين كانوا قبل ذلك في غالبيتهم إما من البربر أو الفنيقيين.

اختط مدينة تونس القائد حسان بن النعمان الغساني عام 82هـ لتكون قاعدة عسكرية بحرية، ولتحول دون تكرار هجوم البيزنطيين على قرطاج عام 78هـ، بنى حسان بن النعمان مدينة تونس على أنقاض قرية قديمة عرفت باسم ترشيش القديمة، وسميت تونس في أيام الإسلام لوجود صومعة الراهب، وكانت سرايا المسلمين تنزل بإزاء صومعته، وتأنس لصوت الراهب فيقولون: هذه الصومعة تؤنس، فلزمها هذا الاسم فسميت باسم تونس، واختط حسان تونس غربي البحر المتوسط بنحو عشرة أميال، فقام بحفر قناة تصل المدينة بالبحر لتكون ميناءاً بحرياً ومركزاً للأسطول الإسلامي بعد أن أنشأ فيها صناعة المراكب بخبراء في هذه الصناعة زوده بهم والي مصر عبد العزيز بن مروان بناءاً على توجيه الخليفة عبد الملك بن مروان، وقد بنيت مدينة تونس طبقاً لأهداف سياسية إستراتيجية، وأهداف اقتصادية اجتماعية تبناها الخليفة عبد الملك بن مروان.

في اليوم الثاني من وصولنا ذهبنا للاستاد لمشاهدة المباراة، وتم ادخالنا مبكراً، ووقفت مع الحشود حين دخول اللاعبين وهتفنا لهم، وتكلف صديقي بتعريفي باللاعبين وإعطائي نبذة موجزة عنهم حيث لم أكن أعرف معظمهم، وفي تلك اللحظة تذكرت كاتبنا الكبير الراحل توفيق الحكيم، الذي قال حين قرأ أن بعض لاعبي كرة القدم يحصلون على ملايين الجنيهات:”انتهى عصر القلم وبدأ عصر القدم، لقد أخذ لاعب كرة واحد في سنة واحدة مالم يأخذه كل أدباء مصر من أيام أخناتون”

ومع بدء الشوط الأول علت الهتافات والتعليقات، وانتقلت الحماسة الجماهيرية إلي، فاحتار صديقي الجالس على يساري في أمري، إذ كنت أقف وأهتف بحماسة كلما تقدم فريقنا بهجمة فأنا لست مهتماً بالكرة وحضوري للمباراة بدعوة لبيتها ليس أكثر، فذكرته بقول “عزيز نيسين” الكاتب التركي الساخر: “منذ عشر سنوات لم أدع مباراة تفوتني، هل تظنون أن الآلاف تأتي إلى الملعب لمشاهدة المباراة؟ أستغرب تفكيركم هذا! عشر سنوات وأنا أحضر كل مباراة ولا أعرف أي فريق يلعب مع أي فريق، وحال أغلب المشاهدين مثل حالي، نأتي من أجل الصراخ لنفرغ قلوبنا من الهم”

وانتهت المباراة بفوز فريقنا، وتلقينا التهاني من أبناء تونس الشقيقة بكل مودة وحب واحترام.

بعد المباراة قمت بزيارة أقدم جامع في تونس بعد المسجد الجامع في القيروان جامع الزيتونة أول جامعة في العالم الإسلامي وهو جامعة وجامع بمدينة تونس، يعد ثاني الجوامع التي بنيت بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان، ويرجح المؤرخون أن من أمر ببنائه هو حسان بن النعمان عام 79 هـ وقام عبيد الله بن الحبحاب بإتمام عمارته.

305688_3548464725019_1496262011_n

كان ما حوله من حوانيت تشي بعبق التاريخ، وبمقاهيه الأثرية تذكرت مقاهي الحسين، التي حظيت بشهرة سياحية كبيرة.

وقد اشتهرت الجامعة الزيتونية في العهد الحفصي بالفقيه المفسر والمحدث محمد بن عرفة وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع، ومن أعلام الحركة الإصلاحية سالم بوحاجب ومحمد النخلي ومحمد الطاهر بن عاشور صاحب “تفسير التحرير والتنوير” ومحمد العزيز جعيط والمصلح الزعيم عبد العزيز الثعالبي وشاعر تونس أبو القاسم الشابي صاحب ديوان “أغاني الحياة” والطاهر الحداد صاحب كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” وغيرهم كثير من النخب التونسية.

اليوم الثالث

تتباهي تونس الخضراء كل عام بمهرجاناتها الصيفية، فلكل مدينة احتفال وفرحة، لكن يبقى لمهرجان قرطاج بريق مختلف وسحر خاص وعراقة، ففي كل صيف يقام مهرجان قرطاج على مدار ما يقارب نصف قرن من الإمتاع عاشته على مدرجات المسرح الروماني، وهو مهرجان يتنظره التونسيون ليعبروا بطريقتهم عن حبهم للفن والحياة، فمهرجان قرطاج يجمع بين الموسيقى الشرقية والغربية، وموعده خلال يوليو وأغسطس من كل سنة بالمسرح الأثري بقرطاج، وقرطاج مدينة قديمة في شمالي إفريقيا،عرفت منذ تأسيسها بحضارة متميزة جمعت بين الخصائص الفينيقية والخصائص الإفريقية، سميت بالحضارة البونية أو البونيقية وتطورت قرطاج من وضعية مستوطنة فينيقية إلى مدينة ثم دولة .

قرطاج كانت واحدة من أعظم المدن في العصور القديمة، ومركزاً تجارياً ثرياً يقع على شبه جزيرة في شمال إفريقيا بالقرب من مدينة تونس الحالية، وكانت واحدة من المستعمرات التي أسسها البحارة الفينيقيون كمركزاً تجارياً وملاحياً، والاسم الفينيقي لقرطاج هو “قرط حدشت” ومعناه العاصمة الجديدة أو المدينة الجديدة، وكانت زيارة قرطاج أول زيارة اليوم الثالث.

539892_3548462244957_1717707883_n

ثم توجهت إلى سيدي بو سعيد وهي ضاحية سياحية تقع على بعد 20 كم شمال شرق تونس العاصمة، يعــود تأسـيسـها إلى القــرون الوسطــى، وتقع في أعالى المنحدر الصخري المطل على قرطاج وخليج تونس، و تمثل مكاناً سياحياً رائعاً وتتميز بفن معماري خاص بها، فجميع البيوت فيها بيضاء ذات أبواب قديمة ولونها أزرق، عليها نقوش وزخارف في غاية الجمال، تعد مثالاً للهندسة والمعمار التقليديين، وتوجد بها عديد من المناطق التي تساهم في اجتذاب الزائر كالمقاهي العالية، إضافة إلى أماكن أخرى مثل قصر البارون درلنجاي، الذي أصبح اليوم مقراً لمركز الموسيقى العربية والمتوسطية.

كان جبل سيدي بوسعيد يسمى”جبل المرسى” ويسمى أيضاً “جبل المنار” وكان هذا الجبل يوفر الأمن والمراقبة والدفاع عن قرطاج الفينيقية في القرن السابع قبل الميلاد، ولمدة طويلة عن مدينة تونس وذلك من بداية الفتح الإسلامي إلى القرن الثاني عشر، فقد كان الجبل يقوم بدور الحصن، وفي عام 1893 تم تغيير الأسم  من جبل المنار إلى سيدي بوسعيد، ويرجع هذا الاسم لولي صالح اسمه أبو سعيد الباجي عاش في فترة معاصرة للشيخ أبي الحسن الشاذلي، وهو مدفون في الضاحية المسماة باسمه.

536661_3548459004876_2001394259_n

اليوم الرابع

اتجهت لزيارة سوسة، وهي مدينة ساحلية تقع وسط السواحل الشرقية لتونس، وهي مركز منطقة الساحل التونسي وتعرف بجوهرة الساحل، سواحلها رملية تحيط بها شبكة عمرانية كثيفة متباعدة، ثم أتجهت في طريق مطوق بملايين من أشجار الزيتون، لمدينة مليئة بالمباني الأثرية الرائعة، صفاقس وهي مدينة تونسية ساحلية على خليج قابس وهي مركز ولاية صفاقس، تعد ثاني أكبر المدن التونسية بعد تونس العاصمة وتبعد عنها 270 كم إلى الجنوب الشرقي.

طيلت الأربعة أيام أحاطني دفء مشاعر أهل تونس، الذين أكن لهم كل الحب والتقدير فهم شعب محب صادق وملهم.